ابن الجوزي
409
صيد الخاطر
وليس للشهود جراية فيحملون ذلك لأجلها ، وانما الذي يحصل جر الطيلسان ، وطرق الباب ، وقول المعرّف : حرس اللّه نعمتك شهادة . ولما قيل لإبراهيم النخعي : تكون قاضيا لبس قميصا أحمر وجلس في السوق ، فقالوا : هذا لا يصلح . ودخل بعض الكبار على الرشيد وقد أحضره ليوليه القضاء فسلم وقال له : كيف أنت وكيف الصبيان ؟ فقيل : هذا مجنون . فيا للّه جنون هو العقل . وما أظن الايمان بالآخرة الا متزلزلا في أكثر القلوب . نسأل اللّه سبحانه سلامة للدين فإنه قادر . 370 - مع كل فرحة في الدنيا ترحة قد تكرر معناه في هذا الكتاب ، إلا أن اعادته على النفوس مهمة لئلا يغفل عن مثله . ينبغي للمؤمن أن يعلم أن اللّه سبحانه مالك حكيم لا يعبث . وهذا العلم يوجب نفي الاعتراض على القدر . وقد لهج خلق بالاعتراض قدحا في الحكمة ، وذلك كفر . وأولهم إبليس في قوله : « خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » * ومعنى قوله أن تفضيلك الطين على النار ليس بحكمة . وقد رأيت من كان فقيها دأبه الاعتراض ، وهذا لأن المعترض ينظر إلى صورة الفعل ولو أن صورة الفعل صدرت من مخلوق مثلنا حسن أن يعترض عليه ، فأما من نقصت الافهام عن مطالعة حكمته فاعتراض الناقص الجاهل عليه جنون . فأما اعتراض الخلعاء فدائم ، لأنهم يريدون جريان الأمور على أغراضهم ، فمتى انكسر لأحدهم غرض اعترض . وفيهم من يتعدى إلى ذكر الموت فيقول : « بنى ونقض ! » وكان لنا رفيق قرأ القرآن والقراءات وسمع الحديث الكثير ، ثم وقع في الذنوب وعاش أكثر من سبعين سنة ، فلما نزل به الموت ذكر لي أنه قال : قد ضاقت الدنيا إلا من روحي . ومن هذا الجنس سمعت شخصا يقول عند الموت : ربي يظلمني . وهذا كثير . ويكره أن يحكى كلام الخلعاء في جنونهم واعتراضاتهم الباردة . ولو فهموا أن الدنيا ميدان مسابقة ، ومارستان « 1 » صبر ليبين بذلك أثر الخالق لما اعترضوا .
--> ( 1 ) مارستان « بيمارستان » بمعنى مستشفى وعند العامة اليوم « دار المجانين » .